محمد متولي الشعراوي
6336
تفسير الشعراوى
التي تمكنهم من مجابهة « 1 » الكافرين ، ولا يملكون القوة ليرحلوا إلى دار الإيمان بالهجرة ، وحتمت عليهم ظروفهم أن يعيشوا مع الكافرين . وهناك في سورة الفتح ما يوضح ذلك ، حين قال الحق سبحانه وتعالى : هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً « 2 » أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ « 3 » فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ « 4 » بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا « 5 » لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً ( 25 ) [ الفتح ] أي : لو تميّز الكافرون عن المؤمنين لسلّط الحق سبحانه العذاب الأليم على الكافرين ، لكن لو دخل المسلمون بجيشهم الذي كان في الحديبية على مكة ، ودارت هناك معركة ، فهذه المعركة ستصيب كل أهل مكة ، وفيهم المؤمنون المنثورون بين الكافرين ، وهم غير متحيزين في جهة بحيث يوجه المسلمون الضربة للجانب الكافر . إذن : فلو ضرب المسلمون المقاتلون ، لضربوا بعضا من المؤمنين « 6 » ،
--> ( 1 ) المجابهة : أي : المواجهة والرد على الخصوم . وقد جبهه : أي : صك جبهته ، أو قابله بما يكره ، أو ردّه عن حاجته . [ المعجم الوسيط ] بتصرف . ( 2 ) الهدى : البدن التي ساقها الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لتنحر عند الحرم ، وهو من مناسك الحج . ومعكوفا : محبوسا وممنوعا عن الوصول إلى مكان النحر وهو الحرم . [ تفسير الجلالين وكلمات القرآن ] بتصرف . ( 3 ) تطئوهم : تهلكوهم مع الكفار . ( 4 ) معرّة : مكروه ومشقة أو سبّة . ( 5 ) تزيّلوا : تميزوا من الكفار في مكة . [ كلمات القرآن ] للشيخ مخلوف . ( 6 ) لذلك قال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ( 94 ) [ النساء ] . ومن أسباب نزول هذه الآية أن المقداد بن الأسود قتل أعرابيا قال : أشهد أن لا إله إلا اللّه ، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « كان رجل مؤمن يخفى إيمانه مع قوم كفار فأظهر إيمانه ، فقتلته ، وكذلك كنت تخفى إيمانك بمكة قبل » أورده ابن كثير في تفسيره ( 1 / 94 ) وعزاه للبزار . وعزاه السيوطي في الدر المنثور ( 2 / 633 ) للدارقطني في الأفراد والطبراني من حديث ابن عباس .